فصل الأول لرواية حين تتقاطع الأرواح بقلم صبرينة غلمي

 


#حين_تتقاطع_الأرواح
#بقلم_صبرينة_غلمي
#فصل_الأول

" لقاء بعد الغياب "


كُتِبَ على شاهِدِ قبرِكَ
لَمْ يَكُنْ خائِنًا يومًا،
لكنَّه عاشَ حياتَهُ كذلك.


كانت الشمس تميل نحو الغروب حين حطّت طائرتها في مطار المدينة. نظرت من نافذة الطائرة، فتنهّدت... هذا الأفق نفسه الذي تركته خلفها منذ عام، يعود الآن ليحتضنها من جديد، لا تحمل في قلبها سوى حقيبةٍ من الذكريات، وكيسٍ صغير من الأمل مع فرحة دفنت تحت أنقاض قلبها المهترئ.

نزلت "ليلى" بخطواتٍ واثقة رغم التعب الظاهر على ملامحها. بدت أكثر نضجًا مما كانت عليه حين غادرت، لكنها ما زالت تحمل تلك النظرة نفسها... نظرة امرأةٍ تعرف جيدًا ماذا تريد، وإن كانت لا تملك كل الإجابات. لكنها تصر على معرفتها...

كان "خالد" ينتظرها في الخارج. سترة رمادية تليق بلونه البرونزي، نظاراته شمسية تخفي عينيه اللتين تحملان أكثر مما يُقال. وقف مستقيمًا، يحدّق في بوابة الخروج كمن ينتظر عُمرًا كاملاً أن يعبر من هناك. وعندما لمحها... خفت نظارته الحادة قليلاً، ابتسم، لكنه لم يتحرك... لتكون هي من اقتربت أولاً.
قالت بنبرة دافئة: ما توقعتيش إنك تيجي بنفسك...
أجابها، وعيناه ما زالت تتفحّصان ملامحها، ليخرج صوته متهكم: ولا أنا توقعت إنك تغيبي سنة كاملة بدون حتى رسالة وحدة.
كان اللقاء عاديًا في كلماته، لكنه مزدحم بكل ما لم يُقال ويخفي الكثير في طياته.
الوجوه تغيّرت قليلًا، لكن القلوب كانت لا تزال تحفظ بعضها البعض وكأنها لم تغب يوما...

في الجهة الأخرى من المدينة، كانت "رنا" تنهي مناوبتها في المستشفى. نظرت إلى صورة أمها على الهاتف، ثم أرسلت قبلة في الهواء، وقالت همسًا: ربنا يخاليكي ليا يا حبيبتي ويخاليلي دعواتك يا رب...

أما "مالك" ف كان في موقع المشروع الجديد، يُراجع الخرائط وهو يتظاهر بالهدوء، لكنه كان يُخفي توترًا لا يعرف له سببًا. ربما لأن "ليلى" عادت؟ ويمكن للماضي أن يعود؟؟
أم لأن شيئًا ما في الأيام القادمة... لن يبقى كما هو؟

في المقهى الذي اعتادوا الجلوس فيه منذ سنوات الدراسة، جلس خالد وليلى بصمتٍ لم يُقطعه سوى صوت فناجين القهوة وسيارات المارة. كانت الموسيقى الخلفية هادئة صامته بطريقة مهلكة، تشبه حديثهم المرتبك.
قال خالد أخيرًا، وهو يحرّك ملعقته في الفنجان: أخبار باريس معاكي إيه؟
أجابت بنبرة هادئة، وابتسامة بالكاد ظهرت: باردة... لكن التعلم فيها دافئ. إنما غريبة المدينة دي، بتجبلك حنين لكل شي كنت تهرب منه...
أومأ خالد بصمت، لكنه لم يُعلّق. كان يدرك أن في حديثها اعتذارًا خفيًّا عما حدث، وربما ندمًا لا يُقال. لكنها رغم قوتها التي تحاول ان تسبخ بها صوتها، بدت تلك الليلة أكثر هشاشة من أي وقتٍ مضى... كأن ندم وألم إستبخ كل معالم وجهها...
وبينما كانا يتحدثان، رنّ هاتف خالد، فألقى نظرة سريعة على الشاشة، فابتسم وقال: مالك... أكيد هيقتنلي لو عرف إني قابلتك قبله...
أجابت ليلى، وقد بدا شيء من الحنين في صوتها: مالك... مش هيتغيّر أبدًا؟
خالد بود: مالك ميعرفش يعني إيه يتغيّر. لسه زي ما هو... بيشيل الدنيا على كتافه ويحط المزاح فوقها عشان يضحكنا كلنا المهم الي حواليه بس هو مش مهم...

في ذات الوقت، كانت "رنا" في طريق العودة إلى منزلها. ارتدت عباءتها الأنيقة، واسدلت شعرها الداكن في ضفيرة طويلة تعانق كتفها. أوقفت سيارتها أمام محل زهور صغير، اشترت باقة من التوليب الأبيض، كما تفعل كل مرة تقابل فيها "ليلى"...

في الليل، اجتمعوا الأربعة على شرفة منزل خالد المطلة على الخليج.
ليلى جلست بجوار رنا، تحتضن ذراعها كطفلة وجدت أختها بعد غياب. ومالك جلس على الجهة المقابلة، ينظر نحو ليلى دون أن يقول شيئًا...
أما خالد كان واقفًا خلفهم جميعًا، يراقب تفاصيل المشهد بابتسامة خفيفة وشيء من القلق لم يُفصح عنه لأحد...
قالت رنا وهي تضع باقة التوليب في مزهرية زجاجية: كأنك مغبتيش سنة كاملة يا ليلى كل حاجة رجعت تتنفّس من أول وجديد برجوعك...
ضحكت ليلى، وهي تلمس أطراف الزهرة: يمكن أنا اللي كنت محتاجة أرجع أتنفس هنا وسطيكم...
قاطعهما مالك بنبرة مرحة مازحا: المهم دلوقتي، نحتفل بعودة المصممة العالمية، وندخل مشروعنا الجاي بكل قوتنا وتركيزنا ولا ايه يا الي في بالي...
خالد كأنه لم يسمع تلميح مالك الذي قصده به بسبب شروده المتواصل بسبب إشتياقه للقابعه أمامه، فإقترب وقال مستغلا الحوار: ويمكن ندخل حاجات تانية... غير المشاريع مثلا... حاجات إتسابت متعلقه...
نظر إلى ليلى، لكنها لم ترد.
كان في قلبها ما هو أكبر من أن يُقال في جملة، وما هو أعمق من أن تُترجمه نظرة واحدة...
كانت الأجواء دافئة على الشرفة، ضحكات خفيفة، ذكريات تُروى، ونظراتٌ متبادلة تشي بالكثير. بدا كأنّ كل شيء في طريقه إلى الاستقرار… إلى أن رنّ جرس الباب.
خالد انتبه أولاً، فنهض بتردّد وقال وهو يتجه للأسفل: مفيش حد قال إنه جاي… مين ممكن يكون جاي في وقت ده؟
صمتت ليلى، لكن قلبها انقبض فجأة ولا تعرف لذلك سببا... مالك تراجع بخطوة، كأنّه شعر بشيء غريب يمكن ان يحدث...
رنا ببساطتها المعتادة قالت: يمكن توصيل أو جار عايز مساعدة؟
لحظات فقط… وبدأ صوت خطوات خالد عائد، متباطئًا، متردّدًا، متألما لكن يتبعه صوتٌ أنثوي مألوف نوعا ما...
ثم ظهرت...
كانت تقف عند مدخل الشرفة بثقة لا تشبه الظروف التي ثمتلها. بثوبٍ أسود أنيق، وحذاء بكعبٍ عالٍ يُعلن عن قدومها مع كل خطوة.
"جُمانة."
قالت ليلى اسمها دون وعي، كمن رأى شبحًا خرج من صندوق الذاكرة.
ردّت الأخرى بابتسامة ثابتة: مسا الخير للجميع… معقول نسيتوني؟

ساد صمت ثقيل... غطى على الأجواء...
حتى رنا لم يسعفها الحظ لتقول شيء، وقد قرأت التوتّر في وجه ليلى بوضوح...
مالك كان الوحيد الذي تمتم بنبرة حادة غاضبة: إنتِ رجعتي؟
أجابت، وهي تزيح خصلةً من شعرها خلف أذنها: أكيد… ما كنتش ناويه أرجع، بس لما سمعت إن ليلى رجعت، حبيت أكون أول من يرحّب بيها...
لتقول رنا بتهمك: ليه عايزه تعتذري ليها مثلا...
كانت نظراتها نحو ليلى مزيجًا من تحدٍّ ومرارة...
أما خالد، الذي وقف خلفها كان في عينيه ألف سؤال… وألف ماضٍ لم يُطوَ بعد.
ليلى، التي كانت قد بدأت للتو بلملمة شتاتها، شعرت بشيء يتهاوى داخلها من جديد... كأن ترميمها لنفسها لم يعد له وجود أو قد تم تهديمه...

هكذا بدأت الحكاية... ليس فقط بعودة ليلى، بل بعودة ما حسبته قد انتهى منذ زمن...
عودة الماضي السحيق..


#رابط_القراءة_كاملة
https://www.wattpad.com/myworks/397180812-%D8%AD%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%AD-%D8%A8%D9%82%D9%84%D9%85-%D8%B5%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%BA%D9%84%D9%85%D9%8A-%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A9-%E2%9C%94%EF%B8%8F

#رابط_تحميل_كاملة
https://www.ktobati.com/book/%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%AD

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجمسع روابط أعمال الكاتبة صبرينة غلمي

نوفيلا رحلتي الصيفية بقلم صبرينة غلمي - الفصل الرابع -

الفصل الخامس والاخير من مهرتي الفاتنة بقلم صبرينة غلمي